مقدمة عامة
يشكل قانون الاسرة بالمغرب، والمعروف تشريعياً بـ “مدونة الأسرة”، أحد الركائز الأساسية التي تنظم البناء الاجتماعي والشرعي للمملكة المغربية. وقد جاء هذا القانون ليحدث ثورة مفاهيمية وحقوقية عند اعتماده، محاولاً الموازنة بين الهوية الإسلامية المحافظة للمجتمع المغربي وبين الالتزامات الدولية والتحولات الديمقراطية والحقوقية التي تشهدها البلاد.
إن فهم قانون الاسرة بالمغرب يتطلب الغوص في فلسفته التشريعية التي نقلت الأسرة من مفهوم القوامة التقليدية الأحادية إلى مفهوم المسؤولية المشتركة بين الزوجين. وتكتسي دراسة قانون الاسرة بالمغرب أهمية بالغة في الوقت الراهن، خاصة مع فتح نقاش وطني موسع ورسمي لإعادة النظر في بعض مقتضياته التي أبانت الممارسة القضائية عن حاجتها للتقويم والتطوير بما يتلاءم مع مغرب القرن الحادي والعشرين.
أولاً: السياق التاريخي والتطوري لقانون الاسرة بالمغرب
لم يكن يولد قانون الاسرة بالمغرب من فراغ، بل هو نتاج سيرورة تاريخية طويلة من التدافع الفقهي والحقوقي. فمنذ الاستقلال، ظل تنظيم الأحوال الشخصية خاضعاً لـ “مدونة الأحوال الشخصية والميراث” الصادرة سنة 1957 و1958، والتي كانت مستمدة في مجملها من الفقه المالكي السائد في المغرب.
ومع تطور بنيات المجتمع وخروج المرأة إلى سوق العمل وتصاعد الحركات الحقوقية، أصبحت بنية المدونة القديمة عاجزة عن استيعاب التحولات الاقتصادية والاجتماعية. هذا التناقض أدى في النهاية، وبعد مسار طويل من النقاش المجتمعي والتدخل الملكي السامي، إلى صياغة حديثة نتج عنها ما نعرفه اليوم باسم قانون الاسرة بالمغرب الصادر بالظهير الشريف رقم 1.04.22 في فبراير 2004.
تميز هذا الانتقال نحو قانون الاسرة بالمغرب الحديث بجعل النيابة العامة طرفاً أصلياً في كل القضايا الرامية إلى تطبيق أحكامه، وتأسيس قضاء متخصص يُدعى “قضاء الأسرة”، لضمان حماية الحقوق وسرعة البت في النزاعات المعروضة على المحاكم.
ثانياً: الخطبة والزواج في ضوء قانون الاسرة بالمغرب
1. الخطبة وآثارها القانونية
نظم قانون الاسرة بالمغرب مؤسسة الخطبة باعتبارها تواعداً بين رجل وامرأة على الزواج، وليست زواجاً في حد ذاتها. وحسب المادة 5 من القانون، فإن الخطبة لا ترتب حقاً في المعاشرة الزوجية، كما أن لكل من الطرفين حق العدول عنها.
وقد ثار نقاش قانوني طويل حول الهدايا المتبادلة أثناء الخطبة في حال العدول. وهنا وضع قانون الاسرة بالمغرب قواعد صارمة؛ فإذا كان العدول من طرف الخاطب، فلا حق له في استرداد الهدايا، أما إذا كان العدول من طرف المخطوبة، فللخاطب استرداد ما قدمه ما لم يكن مستهلكاً بطبيعته.
2. أركان عقد الزواج وشروطه
ينص قانون الاسرة بالمغرب على أن الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي مستدام بين رجل وامرأة، غايته الإحصان والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين. وتتمثل الأركان الأساسية لعقد الزواج وفقاً للقانون في:
- الأهلية الزوجية.
- الصداق (المهر) باعتباره رمزاً للمودة والتقدير وليس ثمناً.
- الولي عند الاقتضاء (حيث جعل القانون الولاية حقاً للمرأة الرشيدة تمارسها اختياراً).
- سماع العدلين للإيجاب والقبول وتوثيقه.
- انتفاء الموانع الشرعية والقانونية.
3. مسألة الأهلية وتزويج القاصر
حدد قانون الاسرة بالمغرب سن الأهلية للزواج في 18 سنة شمسية كاملة لكل من الفتى والفتاة (المادة 19). ومع ذلك، ترك المشرع في المادة 20 استثناءً يمنح لقاضي الأسرة المكلف بالزواج سلطة الإذن بتزويج الفتى والفتاة دون السن المذكور، بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المحيطة بذلك، بعد الاستماع لأبوي القاصر أو نائبه الشرعي والاستعانة بخبرة طبية أو إجراء بحث اجتماعي.
غير أن التطبيق العملي لهذه المادة في ظل قانون الاسرة بالمغرب أثار انتقادات لاذعة من الجمعيات الحقوقية، حيث تحول الاستثناء في كثير من الدوائر القضائية إلى شبه قاعدة، مما يفسر المطالب الحالية بإلغاء هذا الاستثناء نهائياً لضمان حماية الطفولة.
4. التعدد ومسطرة التقييد الصارمة
وضع قانون الاسرة بالمغرب قيوداً تعجيزية شبه مطلقة على التعدد لمنع التعسف فيه. فالقاضي لا يأذن بالتعدد إلا إذا ثبت لديه المبرر الموضوعي الاستثنائي، وتوفرت لدى المتقدم الموارد الكافية لإعالة الأسرتين وضمان الحقوق النفقة والسكن. كما منح قانون الاسرة بالمغرب للمرأة الحق في اشتراط عدم التعدد عليها في عقد الزواج (الشرط الإرادي)، وفي حال غياب الشرط وتم طلب التعدد، يتم استدعاء الزوجة الأولى للمحكمة لإبداء موافقتها أو طلب التطليق للشقاق بسبب الضرر الناتج عن التعدد.
ثالثاً: انحلال ميثاق الزوجية وآثاره في قانون الاسرة بالمغرب
يرى قانون الاسرة بالمغرب أن إنهاء العلاقة الزوجية يجب أن يكون آخر الحلول، ولذلك أحاط مساطر الطلاق والتطليق بضمانات قضائية متعددة تركز بالأساس على محاولات الصلح وإجراءات التحكيم العائلي.
1. التمييز بين الطلاق والتطليق
يميز قانون الاسرة بالمغرب بين نوعين أساسيين لإنهاء العلاقة الزوجية:
- الطلاق: وهو الذي يمارسه الزوج أو الزوجة (إذا كانت تملك الحق في تمليك نفسها) تحت مراقبة القضاء، ويشمل الطلاق الرجعي، الطلاق البائن، والطلاق الاتفاقي الذي استحدثه قانون الاسرة بالمغرب وحقق نجاحاً كبيراً في تقليل حدة النزاعات القضائية.
- التطليق: وهو الذي تطلبه الزوجة من القضاء بناءً على أسباب محددة قانوناً مثل: التطليق لعدم الإنفاق، التطليق للغيبة، التطليق للعيب، أو التطليق للشقاق وهو الأكثر شيوعاً في المحاكم المغربية حالياً.
2. مسطرة الشقاق: الحل السحري والأزمة التطبيقية
أحدثت مسطرة التطليق للشقاق المنصوص عليها في المواد 94 إلى 97 من قانون الاسرة بالمغرب ثورة حقوقية، إذ سمحت لأي من الزوجين يرى أن استمرار العلاقة أصبح مستحيلاً بسبب الخلاف المستحكم، أن يطلب من المحكمة حل النزاع. وتتميز هذه المسطرة بسرعة البت، حيث لا يمكن للمحكمة أن ترفض الطلب، بل يتعين عليها محاولة الصلح، فإن فشلت، طلقت الزوجين وحددت مستحقات كل طرف.
وعلى الرغم من المزايا الحمائية التي وفرتها هذه المادة للمرأة المعنفة، إلا أن نقاداً يطرحون اليوم تساؤلات حول مدى مساهمة هذا التيسير التشريعي في قانون الاسرة بالمغرب في رفع معدلات الطلاق بشكل قياسي داخل المجتمع، مما يستدعي إعادة النظر في آليات الصلح والوساطة الأسرية.
ملاحظة قانونية هامة: إن المستحقات الناتجة عن إنهاء العلاقة الزوجية في قانون الاسرة بالمغرب تشمل: الصداق المؤخر (إن وجد)، نفقة العدة، ومتعة الطلاق التي تراعي فيها المحكمة فترة الزواج، والوضع المالي للزوج، وأسباب الطلاق لضمان عدم تشريد المرأة.
رابعاً: حقوق الأطفال والنيابة الشرعية في قانون الاسرة بالمغرب
يجعل قانون الاسرة بالمغرب مصلحة الطفل الفضلى فوق كل اعتبار، مستلهماً ذلك من الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية مثل “اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الأمم المتحدة”. وتتجلى هذه الحماية في عدة محاور أساسية بالمحاكم العائلية.
1. الحضانة وشروط استحقاقها
الحضانة وفقاً لمقتضيات قانون الاسرة بالمغرب هي حفظ الولد مما قد يضره، والقيام بتربيته ومصالحه. وقد رتب المشرع مستحقي الحضانة بإسنادها أولاً للأم، ثم للأب، ثم للأم الأم. غير أن إحدى أكثر النقاط إثارة للجدل في قانون الاسرة بالمغرب الحالي هي سقوط حضانة الأم في حال زواجها من أجنبي عن المحضون، إلا في استثناءات ضيقة جداً (إذا كان المحضون صغيراً لم يتجاوز السبع سنوات، أو إذا كان مريضاً، أو إذا كان زوجها الجديد هو المحرم للمحضون).
2. النفقة والسكن
تشمل النفقة في قانون الاسرة بالمغرب الغذاء والكسوة والعلاج والتعليم، بالإضافة إلى السكن المستقل للمحضونين وهو واجب يقع بقوة القانون على كاهل الأب. وامتناع الأب عن أداء النفقة المحددة بموجب حكم قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به يعرضه للمساءلة الجنائية بتهمة “إهمال الأسرة” بناءً على مقتضيات القانون الجنائي المكملة لـ قانون الاسرة بالمغرب.
3. الولاية والنيابة الشرعية
حسب المقتضيات الحالية المتضمنة في قانون الاسرة بالمغرب، يعتبر الأب هو الولى الشرعي الطبيعي على أولاده القاصرين بحكم القانون, ولا تنتقل الولاية للأم إلا في حال وفاة الأب، أو فقدانه للأهلية، أو غيابه، أو تجريده من الولاية بحكم قضائي. هذا الوضع يفرز صعوبات عملية جمة للأمهات الحاضنات (مثل تسجيل الأبناء في المدارس أو إصدار جوازات السفر أو السفر بهم خارج البلاد)، مما جعل تعديل بند الولاية الشرعية في قانون الاسرة بالمغرب مطلباً حقوقياً ملحاً ليتساوى فيه الأب والأم بالتشارك.
خامساً: النظام المالي والإرث في قانون الاسرة بالمغرب
1. استقلالية الذمة المالية وتدبير الأموال المشتركة
يكرس قانون الاسرة بالمغرب مبدأ استقلالية الذمة المالية لكل من الزوجين كقاعدة عامة. ومع ذلك، فتح المشرع في المادة 49 باباً اختيارياً لتنظيم الأموال التي تكتسب أثناء قيام الزوجية عبر ما يسمى بـ “عقد تدبير الأموال المشتركة” أو اتفاق استثمار الأموال.
وفي حالة عدم وجود هذا الاتفاق المكتوب، يتم الاعتماد عند النزاع على القواعد العامة للإثبات، حيث يأخذ القاضي بعين الاعتبار عمل كل من الزوجين، والجهود التي بذلها كل منهما، والعبء والمسؤوليات التي تحملها في تنمية أموال الأسرة، وهو ما يعرف فقهياً وقضائياً بـ “حق الكد والسعاية” الذي يطالب الفاعلون بمأسسته بشكل أوضح في مسودة قانون الاسرة بالمغرب الجديدة.
2. أحكام الإرث والتعصيب
تعتبر أحكام الإرث الواردة في الكتاب السادس من قانون الاسرة بالمغرب من أكثر المواد التصاقاً بالشريعة الإسلامية والفقه المالكية. فالقانون ينظم التركات بدقة متناهية بناءً على الفروض والعصبة. وتحظى مسألة “التعصيب” (والتي تعني أن الأقارب الذكور للأب يرثون مع البنت أو البنات في حال عدم وجود ابن ذكر للمتوفى) بنقاش ساخن في الأوساط الثقافية والحقوقية المغربية، حيث تدعو تيارات إلى إلغاء التعصيب لحماية بنات المتوفى من اقتسام بيت العائلة مع أقارب متباعدين، بينما يرى قطاع واسع من العلماء ضرورة الحفاظ على الثوابت القطعية للنص القرآني المعتمد في بنية قانون الاسرة بالمغرب.
سادساً: جدول توضيحي مقارن لأهم المساطر والآثار في قانون الاسرة بالمغرب
لتسهيل استيعاب الفروق الجوهرية بين المساطر القانونية الأكثر تداولاً وتطبيقاً داخل محاكم قضاء الأسرة، يعرض الجدول التالي مقارنة دقيقة وشاملة وفق مقتضيات قانون الاسرة بالمغرب:
| المسطرة / الإجراء القانوني | السند القانوني (مدونة الأسرة) | الجهة المختصة والآثار القانونية | الوضع الإثباتي أو الإجرائي المعمول به |
| التطليق للشقاق | المواد 94 إلى 97 من قانون الاسرة بالمغرب | محكمة قضاء الأسرة. تؤدي مسطرته حتماً إلى إنهاء العلاقة الزوجية مع تحديد التعويضات والمستحقات دون اشتراط إثبات الضرر المادي الملموس. | يكفي تعبير أحد الطرفين عن عدم رغبته في الاستمرار وفشل محاولات الصلح القضائية. |
| الطلاق الاتفاقي | المادة 114 من قانون الاسرة بالمغرب | المحكمة تثبت الاتفاق الحاصل بين الزوجين سواء تضمن شروطاً أو كان مطلقاً، ويتميز بسرعة فائقة في الأداء الإجرائي وتحصين الأطفال. | يصاغ باتفاق مكتوب وموقع ومصادق عليه من الطرفين يودع بكتابة الضبط بالمحكمة. |
| تزويج القاصر (استثناء) | المادة 20 من قانون الاسرة بالمغرب | قاضي الأسرة المكلف بالزواج. يصدر مقرراً معللاً يمنح أهلية استثنائية للفرد دون سن 18 للزواج قانوناً. | يتطلب إجراء خبرة طبية وبحث اجتماعي دقيق للتأكد من المصلحة والقدرة البيولوجية والنفسية. |
| تدبير الأموال المشتركة | المادة 49 من قانون الاسرة بالمغرب | اتفاق مستقل عن عقد الزواج ينظم مساهمة الطرفين في تنمية ثروة الأسرة وكيفية تقسيمها عند الانفصال. | يحرر في وثيقة مستقلة، وعند غيابه يتم اللجوء للقواعد العامة للإثبات والتقدير القضائي (الكد والسعاية). |
| النيابة الشرعية والولاية | المادة 230 و231 من قانون الاسرة بالمغرب | الأب هو الولي الشرعي الأصيل على الأبناء وقاصريه وتصرفاتهم المالية والقانونية، ولا تنتقل للأم إلا استثناءً. | تتم بقوة القانون للأب، وتطالب الحركات الحقوقية بجعلها تشاركية وتلقائية للطرفين معاً. |
سابعاً: أمثلة واقعية ونوازل قضائية من محاكم قضاء الأسرة المغربية
لا يمكن فهم النص التشريعي الجاف لـ قانون الاسرة بالمغرب دون إسقاطه على الواقع العملي المعاش عبر دراسة النوازل والقضايا الحقيقية التي تفصل فيها محاكم المملكة بشكل يومي:
النازلة الأولى: النزاع حول إثبات النسب والخبرة الجينية (الـ DNA)
في قضية شهيرة عرضت على محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، تقدمت سيدة بطلب إثبات نسب طفلة ناتجة عن علاقة خطبة مطولة تخللتها معاشرة، مستندة إلى المادة 156 من قانون الاسرة بالمغرب التي تنظم نسب الطفل المولود في فترة الخطبة. رفض الخاطب الاعتراف بالبنت وأنكر العلاقة.
أمرت المحكمة بإجراء خبرة علمية طبية (البصمة الوراثية). وأظهرت النتيجة تطابقاً بنسبة 99.99%. بناءً على هذا الدليل العلمي المتطور والقراءة المقاصدية لمواد قانون الاسرة بالمغرب، قضت المحكمة بلحوق النسب بالخاطب وحكمت للطفلة بكامل حقوقها البنوية والمالية، مما يوضح كيف يتفاعل القضاء إيجابياً مع التطور العلمي لحماية حقوق الطفل الفضلى.
النازلة الثانية: تفعيل حق الكد والسعاية عند الطلاق
في نازلة أخرى بمحكمة قضاء الأسرة بأكادير، طالبت زوجة مطلقة (بعد زواج دام 25 سنة) بنصيبها من العقارات والأموال التي تراكمت باسم زوجها السابق أثناء فترة الزواج. دفعت الزوجة بأنها كانت تساهم مادياً من راتبها كموظفة، بالإضافة إلى إشرافها وتدبيرها للمشاريع الفلاحية التابعة لزوجها، دون وجود عقد مكتوب وفق المادة 49 من قانون الاسرة بالمغرب.
استمعت المحكمة للشهود وأجرت بحثاً دقيقاً مستعينة بخبراء محاسباتيين، وخلصت إلى أن مساهمة الزوجة كانت جوهرية في تنمية هذه الثروة. واستناداً إلى روح الفقه المالي ومقاصد العدل في قانون الاسرة بالمغرب، قضت المحكمة بحق الزوجة في الحصول على نسبة 35% من القيمة الإجمالية للأموال المكتسبة كحق مستقل عن مستحقات الطلاق التقليدية (المتعة والنفقة)، وهو تطبيق عملي رائد لحق الكد والسعاية.
ثامناً: آفاق تعديل قانون الاسرة بالمغرب والتحديات المعاصرة
بعد مرور أكثر من عقدين على تطبيق قانون الاسرة بالمغرب، بات واضحاً للجميع، بدءاً من أعلى سلطة في البلاد وصولاً إلى الممارسين القانونيين، أن النص الحالي لم يعد يواكب التطورات المتسارعة. فالخطب الملكية السامية، ولا سيما خطاب العرش لسنة 2022، رسمت خارطة طريق واضحة دعت إلى مراجعة وتحديث خلل ومكامن ضعف مقتضيات مدونة الأسرة الحالية.
وتتركز المذكرات الاقتراحية المرفوعة للجنة التعديل حول قضايا حاسمة ومفصلية ستغير معالم قانون الاسرة بالمغرب مستقبلاً، ومن أبرزها:
- الإلغاء الكلي والتام للاستثناء الذي يمنح الأهلية لتزويج القاصرات دون سن 18.
- إعادة صياغة مقتضيات الولاية الشرعية لتصبح ولاية مشتركة وتلقائية بين الأب والأم الحاضنة دون تعقيدات إدارية.
- مراجعة نظام الإرث، وبشكل أخص إلغاء أو تقييد التعصيب، وإتاحة إمكانيات أوسع للوصية والوصية الواجبة لحماية النواة الأسرية الصغيرة.
- تطوير ميكانيزمات تقدير النفقة باستعمال الرقمنة والربط المباشر مع المؤسسات المالية لمنع تهرب الآباء من التزاماتهم المادية.
- مأسسة وتوضيح المادة 49 المتعلقة باقتسام الأموال المكتسبة وضمان مأسسة حق الكد والسعاية تشريعياً دون تركه للاجتهاد التقديري غير المستقر للمحاكم.
إن صياغة مستندات قانون الاسرة بالمغرب الجديد ترتكز بالأساس على الملاءمة الدستورية مع وثيقة دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الذي ينص بوضوح على السعي نحو تحقيق المساواة ومكافحة كل أشكال التمييز، مع احترام الثوابت الوطنية والهوية الدينية الراسخة للمجتمع.
توصية بمراجع ومصادر خارجية موثوقة للبحث والتأصيل
للتوسع الأكاديمي والتحقق من المقتضيات التشريعية الرسمية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بـ قانون الاسرة بالمغرب، يمكنكم مراجعة المصادر والمنصات الرسمية التالية:
- الاطلاع على النصوص التشريعية والظهائر الصادرة بالجريدة الرسمية للمملكة المغربية من خلال البوابة القانونية الرسمية للأمانة العامة للحكومة عبر الموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة بالمغرب.
- متابعة المناقشات والتقارير والآراء الاستشارية الرسمية حول القضايا الاجتماعية والحقوقية المرتبطة بالمرأة والطفل عبر المنصة الحكومية لـ المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب.
- لمقارنة النصوص الوطنية بالالتزامات والمعايير الحقوقية الأممية، يمكن مراجعة بنود الاتفاقيات الأساسية عبر الموقع الرسمي للمفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة.
تاسعاً: الأسئلة الشائعة (FAQ) حول قانون الاسرة بالمغرب
س1: ما هو السن القانوني الأدنى للزواج في قانون الاسرة بالمغرب الحالي؟
ج1: السن القانوني العادي والأصلي هو 18 سنة شمسية كاملة لكل من الذكور والإناث. ومع ذلك، يتيح قانون الاسرة بالمغرب الحالي لقاضي الأسرة المكلف بالزواج إمكانية منح إذن استثنائي بالزواج دون هذا السن بناءً على مقرر معلل يراعي المصلحة والخبرة الطبية والبحث الاجتماعي.
س2: هل تسقط حضانة الأم لأطفالها تلقائياً إذا تزوجت برجل آخر؟
ج2: وفقاً للمقتضيات الحالية في قانون الاسرة بالمغرب، يسقط حق الأم في الحضانة عند زواجها من أجنبي عن المحضون، إلا إذا كان المحضون صغيراً لم يتجاوز 7 سنوات، أو كان مصاباً بمرض أو عاهة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم، أو إذا كان الزوج الجديد محرماً للمحضون، وتطالب الهيئات الحقوقية حالياً بإلغاء هذا الإسقاط التلقائي تماماً.
س3: ما المقصود بحق “الكد والسعاية” في السياق القضائي المغربي؟
ج3: هو مفهوم فقهي شرعي تبناه الاجتهاد القضائي وتدعمه المادة 49 من قانون الاسرة بالمغرب، ويقصد به اعتراف القضاء بحق الزوجة (أو الزوج) في الحصول على حصة عادلة ومستقلة من الثروة والأموال التي تراكمت لدى الطرف الآخر أثناء قيام العلاقة الزوجية، بناءً على حجم مساهمتها المادية أو العينية أو المجهودات الملموسة في تنمية وإدارة تلك الأموال العائلية.
س4: هل يمكن للزوجة منع زوجها من التعدد عبر شروط عقد الزواج?
ج4: نعم، يتيح قانون الاسرة بالمغرب للمرأة الحق الكامل في أن تدرج ضمن عقد الزواج شرطاً إرادياً ملزماً يقضي بعدم التعدد عليها. وفي حال أخل الزوج بهذا الشرط وقام بطلب التعدد لاحقاً، يكون للزوجة الحق التلقائي في طلب التطليق بسبب خرق الشرط والحصول على كافة مستحقاتها المالية دون حاجة لإثبات الضرر العادي.
س5: ما الفرق الجوهري بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن في القانون المغربي؟
ج5: الطلاق الرجعي في قانون الاسرة بالمغرب يتيح للزوج إرجاع زوجته لعصمته خلال فترة العدة دون حاجة لعقد وصداق جديدين ودون موافقتها الإلزامية. أما الطلاق البائن (سواء بينونة صغرى أو كبرى) فهو الطلاق الذي يرفع حكم الزوجية فوراً، ولا يمكن للزوج إعادة مطلقته إليه إلا بموافقتها وبعقد ومهر جديدين ومستوف للشروط الشرعية والقانونية الكاملة.
خاتمة الدليل: يمثل قانون الاسرة بالمغرب نموذجاً حياً للمخاض التشريعي الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية الساعية للتوفيق بين الأصالة والمعاصرة. ويمثل الرهان الحالي في صياغة مدونة عصرية تحقق العدل، والمساواة، وتحمي المصلحة الفضلى للأطفال، وتضمن استقرار النواة المجتمعية الأساسية بالمملكة المغربية الشريفة.


اترك تعليقاً